الغزالي
449
إحياء علوم الدين
وأما الاستطاعة فنوعان : أحدهما المباشرة ، وذلك له أسباب : أما في نفسه فبالصحة ، وأما في الطريق فبأن تكون خصبة آمنة بلا بحر مخطر ولا عدو قاهر ، وأما في المال فبأن يجد نفقته ذهابه وإيابه إلى وطنه ، كان له أهل أو لم يكن ، لأن مفارقة الوطن شديدة ، وأن يملك نفقة من تلزمه نفقته في هذه المدة ، وأن يملك ما يقضى به ديونه ، وأن يقدر على راحلة أو كرائها بمحمل أو زاملة إن استمسك على الزاملة وأما النوع الثاني : فاستطاعة المعضوب بماله ، وهو أن يستأجر من يحج عنه بعد فراغ الأجير عن حجة الإسلام لنفسه ، ويكفي نفقة الذهاب بزاملة في هذا النوع ، والابن إذا عرض طاعته على الأب الزمن صار به مستطيعا ، ولو عرض ماله لم يصر به مستطيعا ، لأن الخدمة بالبدن فيها شرف للولد ، وبذل المال فيه منة على الوالد . ومن استطاع لزمه الحج وله التأخير ، ولكنه فيه على خطر ، فان تيسر له ولو في آخر عمره سقط عنه ، وإن مات قبل الحج لقى الله عز وجل عاصيا بترك الحج ، وكان الحج في تركته يحج عنه وإن لم يوص ، كسائر ديونه . وإن استطاع في سنة فلم يخرج مع الناس وهلك ماله في تلك السنة قبل حج الناس ثم مات لقي الله عز وجل ولا حج عليه ومن مات ولم يحج مع اليسار فأمره شديد عند الله تعالى ، قال عمر رضي الله عنه : لقد هممت أن أكتب في الأمصار بضرب الجزية على من لم يحج ممن يستطيع إليه سبيلا ! وعن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ومجاهد وطاوس : لو علمت رجلا غنيا وجب عليه الحج ثم مات قبل أن يحج ما صليت عليه . وبعضهم كان له جار موسر فمات ولم يحج فلم يصل عليه . وكان ابن عباس يقول : من مات ولم يزك ولم يحج سأل الرجعة إلى الدنيا ، وقرأ قوله عز وجل « رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ » « 1 » قال الحج وأما الأركان التي لا يصح الحج بدونها فخمسة : الإحرام ، والطواف ، والسعي بعده ، والوقوف بعرفة ، والحلق بعده على قول . وأركان العمرة كذلك إلا الوقوف والواجبات المجبورة بالدم ست : الإحرام من الميقات ، فمن تركه وجاوز الميقات محلا فعليه شاة ، والرمي فيه الدم قولا واحدا . وأما الصبر بعرفة إلى غروب الشمس والمبيت بمزدلفة
--> « 1 » المؤمنون : 99